الفصل الأول — الهروب من بابل
في زمنٍ بعيد، في قلب حضارة تمتد بين السماء والأرض، كان يعيش شاب اسمه أوراه في أطراف مدينة بابل العظيمة. كانت بابل في تلك الأيام مدينة لا تشبه أي مدينة؛ أسوارها شامخة، حدائقها معلّقة، وشوارعها مليئة بالتجار والحرفيين والناس الذين يأتون من كل مكان بحثًا عن الرزق أو المغامرة.
لكن خلف هذا الجمال كان الظلام يتحرك… كانت هناك حرب تقترب من المدينة، وجيوش مجهولة تستعد للهجوم. وشائعة تقول: «من يخرج من بابل الليلة… ينجو».
أوراه لم يكن مقاتلًا ولا تاجرًا، كان شابًا بسيطًا يعمل حمّالًا في السوق. وفي تلك الليلة، رأى السماء تشتعل بضوء أحمر غريب، سمع أصوات طبول الحرب وصوت الأبواق التي تعلن بدء الهجوم.
البداية: قرار الهروب
لم يكن أمام أوراه وقت للتفكير. أخذ كيسًا صغيرًا وضع فيه:
- قطعة خبز يابسة
- سكاكين صغيرة كان يستخدمها في عمله
- عباءة قديمة
نظر إلى بابل نظرة أخيرة… كانت النار تلوّن السماء فوق الأبراج العالية، وصوت الصرخات يتردد بين الأزقة. ولأول مرة في حياته، شعر أن المكان الذي عاش فيه لم يعد آمنًا.
ركض… ركض بلا توقف، عبر الحقول والغابات التي تحيط بالمدينة. وكان كلما ابتعد أكثر، كلما زاد شعوره بأنه يركض نحو المجهول.
الاختباء في الكهف
بعد ساعات طويلة من الهرب، وصل إلى سلسلة جبال صغيرة. هناك وجد كهفًا ضيقًا بين الصخور، كأنه مكان لم يُكتشف من قبل.
دخل وهو يلهث، جلس على الأرض، وأسند ظهره إلى الجدار البارد. الدخان في السماء كان يدلّ على أن الحرب وصلت إلى بابل فعلًا.
قال في نفسه:
«سأنام قليلًا… حين أستيقظ تعود الحياة مثلما كانت.»
لم يكن يعلم أن النوم هذه الليلة لن يكون نومًا عاديًا… بل سيكون بداية أعجب رحلة في التاريخ.
المنام الغريب
عندما أغمض عينيه، رأى رؤيا غريبة: مدينة كبيرة لم يرَ مثلها، فيها عربات حديدية، وناس يرتدون ثيابًا لم يعرفها، وأضواء تشبه النجوم على الأرض.
وفي المنام، كان يسمع أصواتًا بلغة لا تشبه السومرية ولا الأكدية ولا أي لغة عرفها. أصوات سريعة، غريبة، وكأنها موسيقى وأوامر في الوقت نفسه.
ثم رأى طفلًا صغيرًا يقترب منه، يضع يده على رأسه ويقول:
«نم الآن… رحلتك طويلة جدًا يا أوراه.»
فغرق في نوم عميق… وبدأ الزمن حوله يلتف ويدور كدوامة لا نهاية لها.
الاستيقاظ الأول – زمن الإسلام
استيقظ أوراه وهو يشعر بأن جسده أثقل من قبل. خرج من الكهف، فوجد الشمس مشرقة، والهواء مختلف… لكنه لم يفهم لماذا.
وعندما اقترب من الطريق المؤدي إلى المدينة، رأى شيئًا لم يره في بابل أبدًا:
- رجال يرتدون عباءات بيضاء وطواقي غريبة
- أسواق فيها تمور وأقمشة عربية
- مآذن طويلة ترتفع نحو السماء
سأل نفسه بخوف:
«أين أنا؟ هل هذه بابل؟ هل انتهت الحرب؟»
تقدم نحو السوق، والجوع ينهش بطنه. حاول أن يطلب الطعام، لكن كل كلمة يقولها كانت تخرج بلغة لا يفهمها أحد.
اقترب من بائع خبز، مدّ يده، حاول أن يشرح أنه جائع…
لكن البائع ظن أنه لص، فصرخ فيه:
«إمشي! تره نبلغ عليك!»
خاف أوراه… خاف كثيرًا… ركض، وأخذ رغيفًا من الطاولة وهرب داخل الأزقة.
لم يعرف أنه — دون قصد — سرق لأول مرة في حياته.
العودة إلى الكهف… مرة أخرى
بعد ساعات من التجوّل والخوف، عاد إلى نفس الكهف.
وقف عند المدخل وهو يشعر بالخجل:
«سرقت…؟ أنا؟ لم أفعلها من قبل…»
لكن الجوع كان أقوى من كبريائه. أكل الخبز، ثم نام في نفس المكان.
وكان هذا النوم هو بداية القفزة الثانية عبر الزمن…
الفصل الثاني — ظلال الليل وصوت الأزمنة
عاد أوراه إلى الكهف وهو يلهث، قلبه يخفق كطبلٍ قديم من طبول بابل، وكل شيء حوله يزداد غرابة. كان يشعر بأن الزمن تغيّر، وأن العالم الذي رآه في النهار لا يشبه العالم الذي تركه في بابل.
الليل داخل الكهف… بداية الرعب
مع غروب الشمس، بدأ الكهف يتحوّل إلى عالم آخر. الهواء أصبح أثقل، وبرودة غريبة زحفت على جلده كأن أحدًا يمرّر يده على كتفه من الخلف.
جلس قرب الجدار الحجري، وأغلق عينيه محاولًا النوم، لكن فجأة… سمع صوتًا داخل الكهف. لم يكن صوت حجر… ولا حيوان… كان صوت أقدام تتقدم ببطء شديد…
فتح عينيه فزعًا، لكنه لم يرَ شيئًا. عاد الصوت مرة أخرى… ثم توقف فجأة، كأن صاحب الصوت يعرف أنه استيقظ.
قال أوراه في نفسه:
«هل هناك أحد يعيش هنا؟ لماذا لم أره؟»
ثم سمع همسًا خافتًا، أشبه بالرياح التي تمر عبر نافذة صغيرة:
«أوراه…»
قفز على قدميه، التصق بالجدار، وصوت أنفاسه يرتفع. لكن الصوت لم يعد. لم يكن يعرف أن ما يسمعه ليس شبحًا… بل صدى من زمن آخر، أحداث حدثت قبل آلاف السنين، وصوت رجل ربما كان يعيش في هذا الكهف قبله.
جلس على الأرض وهو يرتجف… لكن النوم غلبه، وسقط في سبات عميق مرة أخرى.
الاستيقاظ الثاني — عالم جديد تمامًا
عندما فتح عينيه، لم يكن الليل هو نفسه. خرج من الكهف، فوجد السماء مليئة بضوء برتقالي غامق، وأصوات لا تشبه الأصوات القديمة، كانت أصوات محركات، وصرير معادن، وصراخ بعيد.
تقدم بخطوات بطيئة، يده على الجدار، حتى ظهر أمامه مشهد لم يفهمه:
- طرق واسعة مفروشة بالحجارة
- عربات كبيرة حديدية تتحرك بسرعة
- رجال يرتدون خوذات سميكة
- أضواء قوية تتحرك في السماء
قال في نفسه:
«ما هذا؟ أهي مملكة جديدة؟»
اقترب من الطريق، لكن أحد الرجال صرخ:
«قف! منو انت؟!»
تراجع أوراه بسرعة إلى الخلف، فالرجل كان يحمل عصًا غريبة تصدر ضوءًا صغيرًا أحمر. كانوا جنودًا… لكن ليسوا من زمان بابل، ولا من زمن المدينة الإسلامية التي رآها… كانوا جنودًا من زمن جديد تمامًا.
العراق الحديث… صدفة القدر
اقترب من حافة الجبل، فنظر إلى الأسفل. رأى بيوتًا إسمنتية، طرقًا حديثة، سيارات، ورجالًا يرتدون بدلًا عسكرية بلون الصحراوي.
سمع كلمة فهمها لأول مرة:
«أمريكان! أمشي يمّه!»
كانت مجموعة شباب تركض باتجاه الأحياء، والجنود يوقفون السيارات، وصوت طائرات يملأ السماء.
لم يفهم شيئًا…
لكنه أدرك شيئًا واحدًا:
هذا المكان… ليس بابل… وليس المدينة القديمة… هذا عالم جديد بالكامل.
أول لقاء — خوف ومساعدة
بينما كان يحاول الهرب، صادفه رجل مسنّ يحمل كيس خبز.
نظر إليه المسنّ بصدمة:
«ولك يمّه! انت منين طحت علينا هيچ؟»
لم يفهم أوراه الكلام، لكن الرجل لاحظ عليه الخوف والجوع.
اقترب منه وقال بلطف:
«تفضل… هاك خبز… شكلك ضايع.»
ابتسم أوراه بتردد، مدّ يده وأخذ الخبز، وعيناه تلمعان بالشكر. هذه أول مرة منذ آلاف السنين يشعر بالراحة.
لكن فجأة… سُمع صوت قوي يهز الأرض.
التفت الرجل بسرعة:
«ضربة بعيدة… أمشي وياي قبل لا يصير شي!»
أمسك بيد أوراه وسحبه بين الأزقة، لكن الجنود لاحظوا حركتهم، وبدأوا يقتربون.
مطاردة في الليل
ركض أوراه مع الرجل عبر الأزقة الضيقة، والأضواء تلاحقهم من كل مكان. كان قلب أوراه ينبض بالخوف، لكن هناك إحساس داخلي يخبره أن هذه اللحظة جزء مهم من رحلته.
مرت فرقة جنود بقربهم، أحدهم صرخ:
«وقف! لا تركض!»
اختبأ أوراه والرجل خلف جدار متصدع، وصوت المحركات يقترب. كان الظلام يعم المكان، وهدوء غريب كأن الزمن توقف.
ثم… من بعيد… ظهر ضوء صغير، كان ضوء سيارة مدنية تمر مسرعة، والجنود ركضوا خلفها تاركين الأزقّة خلفهم.
تنفّس الرجل الصعداء:
«لحكناها بصعوبة… تعال خل نطلع من هالمنطقة.»
العودة إلى الكهف… للمرة الأخيرة
بعد ساعات من الهرب، قال الرجل العجوز:
«خليك هنا هسه… هاذا كهف؟»
ابتسم أوراه وقال كلمة واحدة يفهمها الجميع في أي عصر:
«بيت…»
هز الرجل رأسه بأسف:
«إذا هذا بيتك… الله يساعدك.»
ثم أعطاه عباءة قديمة وقال:
«نام، وباجر نشوفلك حل.»
دخل أوراه الكهف، جلس في نفس المكان الذي جلس فيه قبل آلاف السنين، وسمع نفس الهمس من جديد…
«أوراه… رحلتك لم تنتهِ بعد…»
وأغلق عينيه ببطء… ليستيقظ مرة أخرى في عالم ثالث… أبعد وأغرب مما رآه في حياته.
الفصل الثالث — مدينة الظلال والضوء
استيقظ أوراه هذه المرة ببطء شديد، كأن الزمن لا يريد السماح له بالعودة إلى الوعي. فتح عينيه فرأى سقف الكهف، لكنه لم يكن كما تركه… كانت النقوش الحجرية تلمع بضوء خافت، وكأن أحدًا رسم عليها رموزًا جديدة خلال الليل.
جلس ببطء، ووجد على الأرض خطًا أحمر رقيقًا يشبه أثر يد طفل. تقدّم بأصابعه نحو الخط، لكن في اللحظة التي لمسها… اهتز الكهف كله، وظهر ضوء أبيض قوي ابتلع المكان.
الخروج من الكهف — عالم ثالث وغامض
عندما هدأ الضوء، خرج أوراه من الكهف… فتجمّد في مكانه من الصدمة.
لم يكن هناك جبل. لم يكن هناك سوق. لم يكن هناك جنود. كان يقف على تلة تشرف على مدينة ضخمة… مليئة بالأبنية الزجاجية، الشوارع الواسعة، الطائرات التي تطير بلا صوت، وشاشات عملاقة تملأ السماء.
مدينة تشبه الأحلام… وأحيانًا تشبه الكوابيس.
قال أوراه بصوت مرتجف:
«أي زمن هذا…؟»
ظهور الفتاة الغامضة
بينما هو واقف أمام المدينة، شعر بشيء خلفه. التفت بسرعة… فوجد فتاة ترتدي رداءً فضيًا، شعرها أسود لامع وعيناها بلون العسل.
نظرت إليه دون خوف وقالت:
«أخيرًا وصلت.»
اقترب منها بحذر:
«من أنتِ؟ وكيف تعلمين اسمي؟»
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
«اسمي ليرا… وقد كنت أبحث عنك منذ زمن.»
رفع حاجبيه بصدمة:
«تبحثين… عني؟ أنا لا أعرفك!»
هزت رأسها:
«أنت لا تعرف… لكنك الشخص الوحيد القادر على كسر دائرة الزمن.»
لم يفهم شيئًا، لكن قلبه أخبره أن الفتاة لا تكذب.
المدينة التي تنقسم بين الظلال والضوء
قادته ليرا نحو المدينة. كل شيء فيها كان مزدوجًا… شوارع فيها ضوء أبيض يشبه النهار، وشوارع أخرى غارقة في ظلال سوداء لا يدخلها النور.
قالت ليرا:
«هذه المدينة ليست من زمنك… إنها مدينة تختلف عن كل الأزمنة.»
توقف أوراه وسألها:
«هل أنا في المستقبل؟»
ضحكت بخفة:
«ربما… وربما لا. الزمن هنا لا يسير كما تتوقع.»
كانت هناك مركبات آلية تمشي وحدها، وتماثيل تتحرك ببطء، وشاشات تعرض وجوه أشخاص لا يعرفهم.
لكن ما جعل قلبه يرتجف هو ما رآه في أحد الأزقة: أناس يتحركون ببطء شديد — كأن الزمن عليهم متجمّد.
سأل بخوف:
«هل هم… أحياء؟»
أجابت ليرا:
«هؤلاء ضحايا الزمن… سقطوا بين العصور ولم يستطيعوا العودة.»
شعر أوراه بقشعريرة قوية… هل يمكن أن يكون واحدًا منهم يومًا ما؟
المفاجأة — الختم على كتفه
بينما كان يمشي خلف ليرا، شعر بحرارة في كتفه الأيمن. رفع الكمّ ببطء… فوجد رمزًا غريبًا لم يكن موجودًا أمس.
دائرة بداخلها خطان متقاطعان… تشبه رمز الشمس والقمر معًا.
اقتربت ليرا منه بسرعة:
«أخيرًا ظهر الختم… هذا ما كنت أخشاه.»
نظر إليها أوراه مرتبكًا:
«ما معنى هذا؟»
تنهدت وقالت:
«أنت لست مجرد مسافر عبر الزمن…
أنت الحلقة الناقصة التي تبحث عنها الأزمنة كلها.»
ارتجف جسده:
«حلقة ناقصة؟ لماذا أنا؟!»
قالت وهي تنظر مباشرة إلى عينيه:
«لأنك الوحيد الذي نام بين ثلاث حروب… ونجا من ثلاث عصور.»
ثم أضافت بصوت منخفض:
«وهذا يجعل الزمن يريدك.»
المطاردة — حراس الزمن
وفجأة، انطفأت أضواء الشارع. تحوّل كل شيء إلى ظلام دامس. سمع أوراه صوت خطوات سريعة خلفه، ثم رأى ظلالًا سوداء ذات عيون بيضاء تتحرك نحوه.
صرخت ليرا:
«اركض! هؤلاء حرّاس الزمن!»
ركضا بين الأزقة الضيقة، والظلال تقترب بسرعة غير طبيعية. كانت تتحرك بلا صوت… لكن الهواء حولها كان يهتز، كأنها تمزق الزمن نفسه.
قالت ليرا وهي تلهث:
«لا يجب أن يقبضوا عليك… إن لمسوك ستعلق بين العصور!»
قفز أوراه فوق حاجز حجري، وانتزعه الذعر وهو يرى أحد الحرّاس يمد ذراعه الطويلة نحوه. لكن ليرا أمسكت بيده وسحبته نحو ممر صغير.
الملاذ الأخير — باب الزمن
قادته إلى بوابة دائرية ضخمة محفورة في الجدار. كانت البوابة تتوهج بضوء أزرق نابض.
صرخت:
«ادخل! هذه فرصتك الوحيدة!»
تردد أوراه:
«أين يقودني هذا الباب؟»
أجابت بسرعة:
«إلى زمنك… أو زمن آخر… أو ربما إلى الحقيقة…»
كان الحراس يقتربون، وصوت خطواتهم يهز الأرض مثل طبول الحرب التي كان يسمعها في بابل.
أغمض أوراه عينيه… وألقى بنفسه داخل البوابة.
وغمره الضوء…
لتبدأ أكبر رحلة في حياته…
الفصل الرابع — زمن بلا سماء
كان الضوء الأزرق يلتف حول جسد أوراه كدوامة بلا نهاية، يشعر كأنه يسقط من أعلى جبل، وفي اللحظة نفسها كأنه يطفو فوق البحر. لا يوجد فوقه… ولا تحته… فقط سيل من الضوء يمتد بلا حدود.
ثم فجأة — اختفى كل شيء.
الهبوط في عالم جديد
فتح عينيه ببطء شديد… وجد نفسه واقفًا فوق سطح مبنى مرتفع جدًا. لكن المفاجأة لم تكن المبنى… بل السماء.
كانت السماء سوداء بالكامل، لا نجوم، لا قمر، لا لون… كأن أحدًا محى السماء من الوجود.
قال أوراه بصوت مرتجف:
«أين…؟ أين النهار؟ أين العالم؟»
لكن الأغرب… أن المدينة تحت قدميه كانت صامتة تمامًا. لا سيارات، لا بشر، لا أصوات. مدينة كاملة… لكنها ميتة.
المدينة الصامتة
نزل من السطح عبر درج ضيق واستمر حتى خرج إلى الشارع. كانت الأبنية العالية تحيط به من كل جانب، لكن لم يكن هناك أي شخص.
حتى الريح لم تكن تتحرك.
اقترب من نافذة محل صغير… ورأى أشياء لم يرها من قبل:
- أجهزة غريبة تشبه الصناديق المضيئة
- صور تتحرك وحدها
- أطعمة مغلّفة بألوان لم يعرفها
كانت المدينة حديثة، لكنها متوقفة… كأن الزمن هنا توقف فجأة.
قال بصوت خافت:
«أنا في زمن رابع؟ هذا كثير…»
ظهور الطفل الغريب
بينما كان يمشي في الشارع الخالي، سمع صوت خطوات صغيرة خلفه. استدار بسرعة، فوجد طفلًا صغيرًا يقف وسط الطريق.
كان الطفل يرتدي ثوبًا أبيض ناعمًا، وعيناه تلمعان بلون أزرق غامض، كأن داخلهما سماء جديدة.
قال الطفل ببرود:
«لقد وصلت أخيرًا يا أوراه.»
ارتجف أوراه:
«من… أنت؟ وكيف تعرف اسمي؟»
ابتسم الطفل وقال:
«أنا… بداية النهاية.»
اقترب خطوة واحدة، وفي اللحظة التي تحرك فيها، شعر أوراه بأن الهواء أصبح أثقل، وكأن العالم يتنفس معه.
قال الطفل:
«هذه المدينة سقطت خارج الزمن…
أهلها كانوا يسافرون في الأزمنة بلا إذن…
فتم تجميدهم إلى الأبد.»
تراجع أوراه بخوف:
«ولماذا أنا هنا؟»
أجاب الطفل:
«لأنك وحدك الذي لم يخطفه الزمن بعد…
وأنت الوحيد الذي يستطيع إعادة التوازن.»
سبب انتقاله عبر الأزمنة
جلس الطفل على درج حجري وقال:
«أوراه… أنت لست شخصًا عاديًا.
عندما نمت في الكهف، لم يكن نومًا طبيعيًا…
كان هناك حدث كوني في تلك الليلة.»
نظر إليه أوراه بصدمة:
«حدث… كوني؟»
قال الطفل:
«كان هناك اختلال في الزمن عند بوابة بابل القديمة…
والكهف الذي نمت فيه كان نقطة الالتقاء بين ثلاث عصور:
ماضيك، زمن الإسلام، وزمن العراق الحديث.»
سأل أوراه:
«ولماذا أنا الذي تأثرت؟»
ابتسم الطفل وقال جملة غيّرت كل شيء:
«لأنك كنت آخر شخص يلمس أرض بابل قبل أن تنهار تمامًا من خريطة الزمن.»
تجمد أوراه في مكانه… لم يعرف ماذا يعني ذلك، لكن قلبه شعر بأن مصيره ليس مصادفة.
اختفاء الطفل
وقف الطفل وقال:
«سأريك الباب التالي… لكن عليك أن تكون مستعدًا.»
ثم أشار إلى نهاية الشارع حيث ظهر ضوء أبيض قوي. لكن قبل أن يتحرك أوراه، اختفى الطفل تمامًا… كأنه لم يكن موجودًا.
وبقي صوته يتردد في الهواء:
«إذا وصلت إلى الضوء… ستعرف الحقيقة.»
الطريق إلى الضوء
بدأ أوراه يمشي نحو الضوء، كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. الأبنية بدأت تهتز، والهواء أصبح باردًا جدًا. حتى الأرض تحت قدميه كادت تتشقق.
لكن عندما اقترب من الضوء… حدث شيء لم يكن في الحسبان:
سمع صوت ليرا خلفه… تصرخ:
«أوراه! لا تدخل… إنه فخ!»
التفت بسرعة… لكن لم يجد أحدًا. كان الصوت فقط… صوتها يتردد في الهواء وكأنه يأتي من زمن آخر.
أما الضوء… فقد أصبح أقرب من أي وقت مضى.
وخطوة واحدة فقط كانت تفصله عن الحقيقة… أو عن النهاية.
الفصل الخامس — الحقيقة التي كانت تنتظره
حين اقترب أوراه من الضوء الأبيض، شعر بأن الجدران من حوله تختفي، وأن الهواء نفسه يلتف كدوامة حول جسده. كانت الخطوة الواحدة تحرق قدميه، كأن الضوء ليس ضوءًا… بل بوابة حية تنظر إليه.
وقف أمامه،
ثم تذكّر صوت ليرا الذي جاء من العدم:
«لا تدخل… إنه فخ!»
ارتجف. مدّ يده نحو الضوء ببطء… وفجأة سُحب إلى الداخل بقوة هائلة — لا يستطيع المقاومة… ولا يستطيع الصراخ.
الظلام بعد الضوء
عندما فتح عينيه، لم يجد نفسه في مدينة الظلال… ولا في المستقبل… ولا في العراق… ولا في بابل.
كان في غرفة حجرية دائرية، وسطها عمود من الضوء يتصاعد إلى سقف لا يُرى.
وعلى الجدران، كانت هناك نقوش تمثّل:
- بابل القديمة
- مدينة إسلامية قديمة
- شوارع بغداد الحديثة
- المدينة المستقبلية التي زارها
فهم شيئًا واحدًا: كل الأزمنة متصلة بهذا المكان.
الشخص الغريب الذي ينتظره
سمع صوت خطوات… ثم ظهر رجل في منتصف العمر، يرتدي عباءة طويلة رمادية، وعيناه تشبهان الليل العميق — هادئتان… لكن مخيفتان.
قال الرجل بثقة:
«أهلاً يا أوراه… لقد تأخرت كثيرًا.»
ابتلع أوراه ريقه:
«من أنت؟ وهل أنت من جلبني إلى هنا؟»
اقترب الرجل بخطوات ثقيلة:
«اسمي… زيار.
آخر حارس لخط الزمن.»
شعر أوراه بوخزة في قلبه… هل هذا الرجل عدو؟ أم صديق؟ كان من المستحيل معرفة ذلك.
لماذا يطارده الزمن؟
جلس زيار على صخرة كبيرة وقال:
«أوراه… أنت لست مجرد مسافر عبر الزمن.
أنت الشخص الوحيد الذي مرّ بثلاث حروب كبرى…
ونجا من ثلاث عصور متتالية…
بدون أن يخطئ الزمن في التقاطه.»
اقترب أوراه خطوة:
«وما ذنبي أنا؟ لماذا يحدث هذا؟»
أجاب زيار:
«لأنك آخر من غادر بابل قبل انهيارها الزمني.
وأنت حملت معك الختم على كتفك…
الختم الذي يسمح للزمن بفتح أبوابه.»
رفع أوراه كمّه فرأى الرمز المتوهّج… لكنه اشتعل الآن أكثر من قبل.
الحقيقة التي تهزّه
قال زيار بصوت منخفض:
«هل تعتقد أنك كنت تنام بين الأزمنة بالصدفة؟
لا يا أوراه… أنت جزء من خطة قديمة.»
ارتجف أوراه:
«أنا؟ خطة؟!»
ابتسم زيار ابتسامة حزينة:
«منذ آلاف السنين، كانت بابل تمتلك أعظم بوابة زمنية في التاريخ.
وأنت — الطفل الذي لمس آخر حجر فيها قبل أن تُغلق.»
تداعى جسد أوراه من الصدمة… جلس على الأرض، وعيناه تمتلئان بالخوف، والدهشة، والحزن.
ظهور مفاجئ – ليرا
وقبل أن يسأل السؤال التالي، اهتزّ المكان فجأة… وظهر أمامه شرار ضوئي صغير، ثم خرجت منه ليرا — مرهقة، تتنفس بسرعة.
صرخت:
«أوراه! لا تستمع له! ليس كل ما يقوله صحيح!»
وقف زيار بهدوء،
ونظر إليها بنظرة خالية من الخوف:
«لم أتوقع وصولك بهذه السرعة… يا ليرا.»
أوراه شعر بأنه بين معركة لا يفهمها:
«ماذا يحدث؟ من أصدق؟»
قالت ليرا:
«زيار يريد إغلاق الأزمنة…
يريد أن يبقى كل عصر وحده…
ويريدك أن تختفي من الزمن حتى ينجح!»
أجابه زيار:
«وهذه الفتاة تريد أن تبقى الأزمنة مفتوحة،
وذلك يعني أن الحراس سيبتلعون المدينة تلو الأخرى.»
كان صوت الرجل هادئًا… وصوت ليرا مليئًا بالذعر. لكن الحقيقة؟ كانت ضائعة بينهما.
حقيقة الرمز
اقترب زيار من أوراه وقال:
«الختم الذي على كتفك…
هو المفتاح الوحيد الذي يحدد مصير الزمن.»
أجابت ليرا بسرعة:
«لكن استخدامه قد يدمّر كل شيء!
أوراه… لا تدعه يلمس الرمز!»
ثم حدث ما لم يتوقعه أحد:
الختم بدأ يضيء بقوة… والهواء يهتز حولهم.
صرخ زيار:
«إنه يستيقظ! الباب التالي يُفتح!»
أما ليرا فمدّت يدها نحو أوراه:
«لا تتركه يأخذك! الحقائق ليست واضحة بعد!»
ونور جديد بدأ يبتلع الغرفة…
روابط قد تفيدك
وكان الفصل السادس ينتظره خلف الضوء…
الفصل السادس — زمن المرآة المكسورة
عندما انفجر الضوء في الغرفة الحجرية، اختفى كل شيء — زيار، ليرا، النقوش، الجدران — وبقي أوراه وحده داخل دائرة من السكون المطلق. كان الضوء يسحبه كما تسحب الموجة الغريق، حتى فقد الإحساس بقدميه… بيديه… وحتى بجسده.
لم يعد يسمع إلا شيء واحد…
صوت طفل يهمس:
«الزمن لن يتركك، أوراه… هو بحاجة إليك.»
السقوط إلى زمن خامس
عندما انتهى الضوء، وقع أوراه على أرض صلبة. فتح عينيه بسرعة، ظنّ أنه عاد إلى مدينة الظلال… لكن المنظر كان مختلفًا تمامًا.
كان في صحراء واسعة، والسماء فوقه ليست سوداء… وليست زرقاء… بل مزيج غريب بين اللونين، كأن السماء نفسها مكسورة إلى نصفين.
وقف بصعوبة،
ونظر إلى الأفق،
فرأى شيئًا جعل قلبه يرتجف:
مدينة عملاقة — لكنها مقلوبة رأسًا على عقب.
أبراج، شوارع، سيارات… كل شيء فوقه، معكوس، ومعلّق في الهواء كأنه صورة داخل مرآة مكسورة.
همس:
«هل هذا زمن… أم حلم… أم لعنة؟»
ظهور الطفل من جديد
بينما هو يحدّق في المدينة المقلوبة، سمع خطوات صغيرة تقترب من خلفه. التفت سريعًا… وهناك كان الطفل… نفس الطفل الذي رآه في المدينة الصامتة.
ابتسم الطفل بهدوء وقال:
«أهلاً بك في زمن المرآة…
الزمن الذي يأتي بعد سقوط العصور.»
سأل أوراه بصوت مرتجف:
«لماذا تتبعني؟ من أنت؟!»
اقترب الطفل حتى أصبح أمامه بخطوة واحدة:
«أنا لست من زمنك…
ولا من زمن ليرا…
ولا من زمن زيار.
أنا أقدم منكم جميعًا.»
ارتجف أوراه:
«هل أنت بشر؟»
ضحك الطفل بخفة:
«لست بشرًا…
لكنني أيضًا لست روحًا.
أنا ابن الزمن.»
الحقيقة الأولى عن “ابن الزمن”
جلس الطفل على صخرة صغيرة وقال:
«كان هناك حراس للزمن قبل آلاف السنين…
ليرا من نسلهم…
وزيار آخر من بقي منهم حياً.
لكن بعد انهيار بوابة بابل…
ولد شيء جديد.»
توقّف لحظة،
ثم أشار إلى نفسه:
«أنا… ولدت من الشرخ بين الأزمنة.»
فتح أوراه عينيه بصدمة:
«الشرخ؟ أي شرخ؟!»
قال الطفل:
«عندما انهارت بوابة بابل…
لم تنغلق كليًا…
بل انقسمت،
وتسرّب الزمن منها.
أصبحت الأزمنة تتداخل، تتشابك، وتنهار.»
وأشار الطفل نحو أوراه:
«وأنت… كنت في المكان الخطأ وفي اللحظة الخطأ.
أو ربما…
في المكان الصحيح واللحظة الصحيحة.»
المفاجأة – رؤية ليرا في السماء
بينما يتحدث الطفل، نظر أوراه إلى المدينة المقلوبة في السماء… فجأة ظهرت صورة ليرا داخل أحد الأبراج. كانت تتحرك وتصرخ… لكن صوتها لا يصل.
رفع أوراه يده نحوها:
«ليرا!! هل تسمعينني؟!»
لكن الطفل قال:
«لن تصل إليها الآن…
ليرا عالقة في زمن الحراس…
والبوابة التي نقلتك هنا أغلقت خلفك.»
شعر أوراه بأن قلبه يسقط في داخله… ليرا، تلك التي أنقذته أكثر من مرة، الآن في خطر.
المرآة التي تكشف الحقيقة
اقترب الطفل من صخرة كبيرة،
كانت السطح الأمامي لها لامعًا مثل المرآة.
قال بصوت هادئ:
«تعال… وانظر بنفسك.»
اقترب أوراه ببطء، نظر داخل المرآة… فشاهد مشاهد لم يرها من قبل:
- بابل قبل سقوطها — آلاف الناس يركضون في الشوارع
- لحظة انهيار البوابة الزمنية
- الشرخ الذي خرج منه الضوء الأزرق
- طفل صغير يبكي داخل الشرخ — الطفل نفسه الذي يقف أمامه الآن
- شخص نائم في الكهف — هو نفسه، أوراه
ثم رأى شيئًا أخطر بكثير:
رأى زيار وهو يتتبع أثره عبر الأزمنة…
وليرا تحاول حمايته…
والحراس يقتربون من المدينة المقلوبة.
قال الطفل بقلق:
«الزمن ينهار، أوراه…
والبوابة التالية ستفتح قريبًا…
وإذا لم تختَر الطريق الصحيح…
سيسقط زمن كامل إلى الأبد.»
روابط مهمة داخل القصة
ستحتاج قراءة المقالات التالية لربط الأحداث داخل رحلته:
وفي اللحظة التي لمس فيها أوراه المرآة… انفتح الباب السادس… ووقعت أكبر مفاجأة في رحلته.
الفصل السابع — الباب الذي لا يعود منه أحد
عندما لمس أوراه سطح المرآة المكسورة، لم يشعر ببرودة أو حرارة… بل شعر بشيء غريب جدًا، كأنه يلمس قلب الزمن نفسه.
انشق الضوء فجأة، وسقط داخل بُعد جديد — ليس زمنًا… وليس مكانًا… بل ممر طويل يلتف بلا نهاية، جدرانه تشبه الماء، وسقفه مثل سماء دون نجوم.
الممر بين الأزمنة
وقف أوراه وسط الممر،
يحاول أن يفهم أين هو.
لكن الصوت الذي سمعه حلّ اللغز:
«هذا… هو الممر العظيم.»
استدار بسرعة، فوجد الطفل واقفًا خلفه — لكن ملامحه تغيرت قليلاً. عينيه أصبحتا أكثر لمعانًا، ولون بشرته أصبح رماديًا خفيفًا.
قال الطفل:
«هنا يولد الزمن… وهنا يموت.»
تراجع أوراه خطوة:
«لماذا جئت بي إلى هنا؟!»
أجاب الطفل بهدوء غريب:
«لأنك الوحيد الذي يستطيع فتح الباب الأخير.»
ظهور زيار داخل الممر
قبل أن يسأله أكثر، اهتز الممر بقوة، وظهر زيار — لكن ليس كما كان في الغرفة الحجرية.
كان جسده محاطًا بضوء أسود، وعيناه تلمعان كأنهما عاصفة.
صرخ:
«ابتعد عنه يا طفل! لا تجرّه إلى النهاية!»
ضحك الطفل:
«النهاية؟
أوه، زيار…
أنت آخر من يحق له الحديث عن النهايات.»
اندفع زيار نحو أوراه، لكن الطفل رفع يده، فانقسم الممر إلى نصفين، وكأن الزمن نفسه انشق.
وجد أوراه نفسه بينهما… بين قوتين لا يفهمهما — ولا يعرف من منهما يقول الحقيقة.
ظهور ليرا — من زمن آخر
مع اهتزاز الجدران، انفتحت دائرة ضوئية صغيرة في سقف الممر، وسقطت ليرا منها — لكنها لم تعد كما كانت.
كان شعرها أطول، وعيناها مليئتين بالخوف، وكأنها عبرت مئة زمن في لحظة.
صرخت وهي تركض نحو أوراه:
«لا تستمع لهما!
أوراه… هناك شيء لم يخبرك به أحد!»
أمسكها أوراه بسرعة:
«ماذا يحدث؟! من أصدق؟!»
نظرت إليه بعينين تلمعان بالدموع — دموع خوف، لا دموع ألم:
«أنت… لست مسافرًا عبر الزمن فقط.
أنت السبب…
أوراه، أنت جزء من الشرخ نفسه.»
تجمّد جسده. لم يفهم. لم يصدق. لكن الطفل ابتسم ابتسامة غامضة… وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة.
الحقيقة التي تصعق أوراه
اقترب الطفل وقال:
«هل تريد الحقيقة؟
الحقيقة هي… أنك لم تكن فقط ضحية للزمن…
بل كنت أول شخص يكسر زمنه دون أن يعلم.»
تراجع أوراه:
«أكسر زمن؟ ماذا… ماذا يعني هذا؟!»
أجاب الطفل:
«الشرخ الذي ولدتُ منه…
بدأ في الليلة التي نمت فيها في الكهف.
ولولا نومك…
لما انهارت بوابة بابل.»
سقطت الكلمات على قلبه مثل صخور ضخمة. تنفّسه أصبح ثقيلًا، وعيناه امتلأتا بالذهول.
فهم الآن لماذا ينتقل عبر الأزمنة… لماذا يطارده الزمن نفسه… لماذا يريد زيار إنهاء رحلته… ولماذا تحاول ليرا حمايته.
المفاجأة الأكبر — الشخص الذي يقف خلف الباب
اهتز الممر فجأة، وانفتح باب ضخم من الضوء في نهايته، أكبر بكثير من الأبواب السابقة. وكان خلف الباب ظلٌّ لشخص… لا ملامح… لكن شكله بشري.
قال الطفل بصوت منخفض:
«لقد استيقظ…
الشخص الذي كان ينتظرك منذ آلاف السنين.»
ضعفت ركبتا أوراه:
«من… يكون؟»
ابتسم الطفل:
«الشخص الوحيد الذي يعرف سر بدايتك…
وسر نهايتك…»
أما زيار فصرخ:
«لا تقترب! سيأخذك منه الزمن ولن تعود!»
وليرا أمسكت بيده:
«أرجوك… فكر قبل أن تتحرك خطوة واحدة.»
وكان الباب يزداد ضياءً… والشخص خلفه يقترب… خطوة خطوة خطوة…
روابط السيو داخل القصة
وهكذا، كان الفصل الثامن — فصل الحقيقة النهائية — ينتظره خلف هذا الباب…
الفصل الثامن — وجه الزمن الحقيقي
كان الباب مشرعًا أمام أوراه، نور قوي يتصاعد منه كأن الشمس انكسرت داخله. وخلف النور… ظلٌّ واحد يتحرك ببطء.
كانت خطواته عميقة، صوته لا يسمع، لكن حضوره يملأ المكان كأن الزمن نفسه يخرج من الباب.
ليرا أمسكت يد أوراه بكل قوتها:
«لا تدخل… هذا الباب لا يعود منه أحد.»
وزيار صرخ وهو يتقدم:
«اللعنة! إذا وصل إليك قبلنا… سيبدأ الانهيار!»
أما الطفل… فابتسم وكأنه كان ينتظر هذا منذ قرون:
«حان وقت الحقيقة يا أوراه…»
الشخص الذي خرج من الباب
تحرك الظلّ… ثم ظهر النور حوله كإطار ذهبي حتى اتضحت ملامحه بالكامل:
كان يشبه أوراه تمامًا.
نفس الوجه… نفس العينين… نفس التعبيرات. لكن أكبر سنًا… بعشرات السنين.
تراجع أوراه خطوة:
«مستحيل… من أنت؟!»
قال الرجل بصوت هادئ… صوت يعرفه:
«أنا… أنت.»
تجمدت ليرا. حتى زيار توقف عن الحركة. والطفل اكتفى بالنظر بعمق وكأن كل شيء كان متوقعًا.
كيف يمكن أن يكون هو نفسه؟
اقترب الرجل — نسخة أكبر من أوراه — حتى أصبح وجهه لا يبعد سوى خطوة واحدة:
«نعم يا أوراه… أنا أنت.
أنا الشكل الذي أصبحتَه في زمنٍ آخر…
في عالمٍ سقط خارج الأزمنة.»
بلع أوراه ريقه:
«لكن… كيف؟ متى؟ أين؟»
أجابه الرجل:
«هنا في هذا المكان… في هذا الممر…
قضيت سنوات لا تُعد.»
ثم أشار إلى الظلال حولهم:
«كنت أبحث عن طريقة للخروج…
لكني كنت عالقًا بين الأزمنة…
لا أنتمي لواحد منها…
تمامًا كما أنت الآن.»
زيار يكشف الحقيقة المخفية
تقدم زيار خطوة وقال:
«أوراه… استمع جيدًا.
هذا الذي تراه أمامك ليس “مستقبلك”.
بل هو نسخة من زمن سقط وانفصل عن بقية الأزمنة.»
أضاف بصوت حاد:
«إنه نسخة تالفة… نسخة فقدت الطريق.»
صرخ الرجل — النسخة الأكبر — بغضب:
«أنا لست تالفًا!
أنا أنت الحقيقي…
أنت النسخة التي ضاعت في الماضي!»
انفجر الممر بالاهتزاز، وانتشر الضوء حولهم، وبدأت الجدران تتحرك كأن الزمن يتنفس بغضب.
ليرا تقول ما لم يقله أحد
رفعت ليرا يدها نحو أوراه وقالت بصوت مليء بالألم:
«أوراه…
لا تستمع لأحدهما.
الحقيقة ليست عند زيار… ولا عند النسخة الأكبر…
الحقيقة عندك أنت.»
اقتربت منه أكثر:
«أنت الوحيد الذي يرى الأزمنة كما هي…
لأنك لم تولد في زمن واحد…
بل عبرت ثلاثة قبل أن تستيقظ تمامًا.»
ثم أضافت:
«أنت لست نسخة من أحد…
أنت الأصل.»
كلماتها ارتطمت بجدران الممر، وكأن الزمن توقف ليستمع إليها.
الطفل يكشف الهدف الحقيقي
ابتسم الطفل أخيرًا وقال:
«كل الأزمنة تحتاج قرارك يا أوراه…
ليس لتعرف من أنت…
بل لتقرر أي زمن سينجو.»
سأل أوراه بذهول:
«ماذا تقصد؟»
قال الطفل:
«هناك ثلاثة أزمنة على حافة الانهيار:
زمن بابل…
زمن بغداد الحديث…
وزمن مدينة الظلال.
إذا اخترت واحدًا… سيسقط الآخرون.»
ارتجف قلب أوراه. كيف يمكن لإنسان أن يقرر مصير حضارات كاملة؟ كيف يكون هو المفتاح لكل هذا؟
لكن الطفل لم ينتهِ بعد:
«والباب الذي أمامك…
هو باب القرار الأخير.»
النسخة الأكبر تفصح عن السر
اقترب الرجل — النسخة الأكبر — وأمسك كتف أوراه بقوة وقال:
«أنا اخترت… وفشلت.
لكن أنت… لديك فرصة واحدة فقط.»
ثم همس:
«إذا دخلت الباب…
لن تعود كما أنت.»
ارتعب أوراه:
«ماذا سيحدث لي؟!»
أجاب الرجل:
«ستصبح أنت الزمن…
أو يفنيك الزمن.»
كانت هذه الجملة كافية ليتوقف العالم حوله بالكامل.
اللحظة الأخيرة قبل القرار
وقف أوراه أمام الباب: النسخة الأكبر خلفه، زيار على يمينه، ليرا على يساره، والطفل أمامه.
كل واحد منهم يمثل طريقًا مختلفًا… ومصيرًا مختلفًا… وزمنًا مختلفًا.
والباب… كان يزداد ضياءً، وصوت الأزمنة يتجمع داخله كأنه نداء.
خطوة واحدة… كانت تفصل أوراه عن المصير الذي لا عودة منه.
الفصل التاسع — قرار الأزمنة الثلاثة
وقف أوراه أمام الباب المتوهج،
وأصوات الأزمنة كلها تتردد حوله كالهمسات:
«اختَر… اختَر… اختَر…»
كانت الأرض تحت قدمَيه ترتج، والجدران تتحرك كأنها كائن حي، والضوء يزداد قوة حتى صار يؤلم عينيه.
لم يكن يعلم أن هذه اللحظة — هذه الخطوة — هي التي ستحدد مصير ثلاثة عوالم:
- عالم بابل القديمة
- عالم بغداد الحديثة
- وعالم مدينة الظلال
وكل عالم ينتظر قراره… أو سقوطه.
زيار — صوت النظام
اقترب زيار من أوراه، الغضب يلمع في عينيه كقطع نار صغيرة.
قال بصوت منخفض لكنه قوي:
«أوراه…
الزمن يجب أن يستعيد قانونه.
الأزمنة لا يجب أن تختلط.
لو اخترت بابل… ستعود الأمور كما كانت.»
ثم أضاف:
«دع العصور المنهارة تسقط… هذه هي طبيعة الزمن.»
كانت كلماته حادة — تشبه السكاكين — لكن خلفها خوف… خوف رجل يرى النهاية قريبة جدًا.
ليرا — صوت الرحمة
اقتربت ليرا من الجهة الأخرى، وعيناها مليئتان بالمشاعر:
«لا، أوراه… لا تدعه يخدعك.
إذا اخترت زمنًا واحدًا…
ستموت الأزمنة الأخرى بالكامل.»
وضعت يدها على كتفه وقالت:
«الزمن ليس قانونًا جامدًا…
الزمن بشر…
وحضارات…
وأرواح.»
ثم همست:
«أرجوك… احمِ الجميع.»
كانت كلماتها مثل الضوء… هادئة لكنها قوية جدًا.
النسخة الأكبر — صوت التجربة
ظهر الرجل — النسخة الأكبر من أوراه — وجهه مليء بالتعب والخسارة.
قال بصوت خافت:
«لقد كنت في مكانك قبل سنوات…
وفشلت لأنني اخترت بنفسي.»
رفع رأسه ونظر مباشرة في عينيه:
«إذا اخترت كما اخترتُ أنا…
ستنتهي مثل نهايتي.»
ثم أشار إلى الباب:
«لكن ربما…
ربما لديك القوة التي لم أملكها أنا.»
الطفل — صوت الزمن نفسه
أما الطفل… فكان واقفًا أمام الباب مباشرة، وجهه هذه المرة ليس هادئًا… ولا مخيفًا… ولا بريئًا.
بل كان وجهًا لا يمكن قراءته.
قال بصوتٍ يشبه الريح:
«أنا لست هنا لأرشدك…
ولا لأمنعك…
أنا هنا لأشهد اختيارك.»
ثم أشار إلى الباب:
«إذا دخلت…
لن تكون بعد اليوم مسافرًا عبر الزمن…
بل جزءًا منه.»
الاختيار الذي لم يتوقعه أحد
نظر أوراه إلى الجميع: ليرا… زيار… نسخته الأكبر… الطفل… الباب… الأزمنة التي تنتظره.
ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال:
«لن أختار زمنًا واحدًا…
سأختار الجميع.»
في اللحظة التي قالها… تغيّر كل شيء.
الضوء حول الباب تحوّل من الأبيض إلى الأزرق، ثم إلى الذهبي، ثم إلى لون لم يره أي إنسان قبل ذلك — لون الزمن نفسه.
هزّ الممر بكامل قوته،
وصوت كالرعد جاء من داخل الباب:
«الخيار… غير مسموح.»
لكن أوراه لم يتراجع:
«لن أسمح بزوال زمن…
ولا بحياة تُمحى…
ولا بعصر يسقط بسبب خطأ لم أختره.»
نظر إلى الطفل مباشرة:
«إن كنت ابن الزمن…
فأنا…»
«…أنا صانع الزمن.»
صرخة الضوء انفجرت من الباب، وليرا غطت عينيها بيدها، وحتى زيار تراجع، والنسخة الأكبر سقط على ركبتيه.
أما الطفل… فقد فتح عينيه للمرة الأولى بشكل كامل، ولم يكن فيهما زرقة… ولا بياض… بل كان فيهما كل الأزمنة مجتمعة.
اللحظة التي تغيّر كل شيء
رفع أوراه يده، ومدّها نحو الباب.
الضوء التصق بيده، ثم بجسده، ثم صار جزءًا منه.
الأصوات اختفت. الممر توقف عن الحركة. حتى الزمن نفسه توقف.
كانت تلك اللحظة… لحظة اختيار لم يحدث في تاريخ الأزمنة من قبل.»
وبقي سؤال واحد فقط… سؤال ينتظر الفصل الأخير:
ماذا سيحدث لأوراه… بعد أن أصبح جزءًا من الزمن نفسه؟
الفصل العاشر — عودة صانع الزمن
كان الضوء يبتلع أوراه بالكامل، وكأن العالم يعيد تشكيله… أجزاء من بابل، أجزاء من بغداد، وأطياف من مدينة الظلال تدور حوله كدوائر سماوية.
لم يعد يشعر بقدميه، ولا بيديه، ولا حتى بحدود جسده. كان كأنه يتحول إلى شيء أكبر… شيء يفهم الزمن بدل أن يخضع له.
سر الطفل
خرج الطفل من دائرة الضوء، لكن هذه المرة كان مختلفًا: كانت ملامحه ثابتة، عمره لا يمكن تحديده، وصوته لا يحمل أي خوف.
قال وهو ينظر لأوراه:
«كنتُ أنت…
وأنت كنتَ كل من حاول قبلك.»
توسعت عينا أوراه بدهشة:
«أنا…؟»
أومأ الطفل:
«نحن جميعًا أبناء الزمن،
لكن القليل فقط يصبحون صانعيه.»
ثم تابع:
«لقد حاول مئات قبلك،
لكن لم يجرؤ أحدهم على اختيار الجميع.»
تقدّم الطفل ووضع يده على قلب أوراه:
«عندما رفضتَ التضحية بأي زمن…
عندها اختارك الزمن.»
كان قلب أوراه ينبض بسرعة، لكن لأول مرة… لم يكن خائفًا.
اللحظة التي تتوقف فيها الأزمنة
سحبت قوة غير مرئية أوراه إلى مركز الدائرة. كأن الزمن نفسه يريد أن يتحدث معه.
ظهرت أمامه عوالم ثلاث:
- بابل — أسواقها، معابدها، أراضيها الذهبية
- بغداد — نهر دجلة، الأزقة، ضجيج الحرب
- مدينة الظلال — عالم بلا زمن، هادئ وخطر في نفس الوقت
قال الزمن بصوت كوني:
«كل زمن يطلب حقه…
وأنت… يجب أن توازن بينهم.»
رد أوراه بثقة لم يعرفها من قبل:
«لن أسجن زمنًا، ولن أترك آخر ينهار.
أريد جسراً… لا فاصلًا.»
ساد صمت ثقيل…
ثم قال الزمن:
«فلتبدأ عملية الدمج.»
بداية الدمج العظيم
بدأت العوالم تقترب من بعضها، لكن دون أن تتصادم. كان الضوء يربط بينها كخيوط ذهبية.
صارت الأزمنة الثلاثة طبقات شفافة فوق بعضها، كل زمن يحتفظ بوجوده، لكن يمكن رؤيته عبر الآخر.
وخلال الدمج… سمع أوراه أصواتًا:
- ضحكات أطفال من بابل
- أصوات بائعي بغداد
- صدى خطوات سكان مدينة الظلال
كان المشهد يشبه الحلم… لا ينتمي لأي زمن، بل لكل الأزمنة معًا.
ماذا حدث لليرا وزيار؟
اقتربت ليرا من أوراه بعد أن هدأ الضوء،
وجهها مليء بالدهشة:
«هل… فعلت هذا؟»
ابتسم أوراه بخجل:
«لا أعرف إن كنت فعلت…
أم أن الزمن هو الذي سمح لي أن أحاول.»
أما زيار،
فقد وقف خلف ليرا،
لكن هذه المرة بلا غضب.
قال بصوت هادئ:
«ربما… كنت مخطئًا.»
وأضاف:
«الزمن ليس قانونًا…
بل علاقة.
وقد أثبتّ ذلك.»
لأول مرة، انحنى زيار احترامًا لأوراه.
مصير النسخة الأكبر
اقتربت النسخة الأكبر من أوراه. كان يبدو أهدأ، كأنه تحرر من حمل ثقيل.
قال بصوت مُرهق:
«لقد فعلت ما لم أستطع فعله أنا…
أحررتني.»
ثم بدأ جسده يضيء ببطء، حتى صار شفافًا، ثم اختفى كأنه يعود إلى زمنه الصحيح.
أدرك أوراه شيئًا مذهلًا:
«لقد عدته إلى زمنه…
حيث ينتمي.»
النهاية التي لم يتوقعها أحد
فتح الزمن أمام أوراه بوابة جديدة، ليست مثل البوابات السابقة. كانت أكثر استقرارًا… أقرب إلى بيت.
قال الزمن:
«هذه ليست بوابة الهروب…
بل بوابة العودة.»
سأل أوراه:
«أعود إلى أين؟»
ابتسم الطفل:
«إلى المكان الذي تختاره…
لكن هذه المرة،
لن تكون زائرًا…
بل صانعًا.»
تقدم أوراه بخطوة داخل البوابة… وخارجها كانت تنتظره أصوات مألوفة:
- ضحكات أطفال
- أصوات بائعين
- موسيقى خفيفة
- ورائحة خبز
فتح عينيه… فوجد نفسه في سوق كبير في تركيا، حيث بدأ فصلاً جديدًا من حياته — لا زمن يطارده… ولا بوابة تهدده… بل عالم واحد… يجمع الأزمنة كلها داخله.
وابتسم أوراه… لأول مرة منذ آلاف السنين.
💬 هل تريدون جزءًا ثانيًا؟
إذا أحببتم القصة وتريدون جزءًا ثانيًا من مغامرات "أوراه" اكتبوا رأيكم في التعليقات 👇
ولا تنسوا زيارة هذه المقالات:
